ابن الجوزي
95
صفة الصفوة
موتى ، يا داود ما أعجب شأنك ألزمت نفسك الصمت حتى قوّمتها على العدل ، أهنتها وإنما تريد كرامتها وأذللتها وإنما تريد إعزازها ، ووضعتها وإنما تريد تشريفها وأتعبتها وإنما تريد راحتها ، وأجعتها وإنما تريد شبعها ، وأظمأتها وإنما تريد ريّها ، وخشنت الملبس وإنما تريد ليّنه وجشبت « 1 » المطعم وإنما تريد طيّبه ، وأمتّ نفسك قبل أن تموت ، وقبرتها قبل أن تقبر . وعذّبتها قبل أن تعذّب ، وغيّبتها عن الناس كي لا تذكر ، وغبت بنفسك عن الدنيا إلى الآخرة ، فما أظنك إلا قد ظفرت بما طلبت . كأنّ سيماك في عملك وسرّك ولم يكن سيماك في وجهك فقهت في دينك ثم الناس يفتون ، وسمعت الأحاديث ثم تركت الناس يحدّثون ويروون ، وخرست عن القول وتركت الناس ينطقون ، لا تحسد الأخيار ولا تعيب الأشرار ولا تقبل من السلطان عطيّة ولا من الأخوان هدية . آنس ما يكون إذا كنت باللّه خاليا وأوحش ما تكون إذا كنت مع الناس جالسا فأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس ، وآنس ما تكون أوحش ما يكون الناس جاوزت حد « 2 » المسافرين في أسفارهم ، وجاوزت حدّ المسجونين في سجونهم ، فأما المسافرون فيحملون من الطعام والحلاوة ما يأكلون ، فأما أنت فإنما هي خبزتك أو خبزتان في شهرك ، ترمي بها في دنّ عندك فإذا أفطرت أخذت منه حاجتك فجعلته في مطهرتك ثم صببت عليه من الماء ما يكفيك ، ثم اصطنعت به ملحا فهذا إدامك وحلواك ، فمن سمع بمثلك صبر صبرك أو عزم عزمك ، وما أظنك إلا قد لحقت بالماضين ، وما أظنك إلا قد فضلت الآخرين ولا أحسبك إلا قد أتعبت العابدين ، وأما المسجون فيكون مع الناس محبوسا فيأنس بهم وأما أنت فسجنت نفسك في بيتك وحدك فلا محدّث وجليس معك ، ولا أدري أيّ الأمور أشدّ عليك ، الخلوة في بيتك تمرّ بك الشهور والسنون أم تركك المطاعم والمشارب ، لا ستر على بابك ، ولا فراش تحتك ، ولا قلّة يبرّد فيها ماؤك ، ولا قصعة يكون فيها غداؤك وعشاؤك ؟ مطهرتك قلّتك وقصعتك تورك « 3 » وكلّ أمرك يا داود عجب . أما كنت تشتهي من الماء باردة ولا من
--> ( 1 ) أي طلبت غليظ الطعام . ( 2 ) جهد . ذكره في الحلية . ( 3 ) التور هو إناء صغير يشرب فيه .